|
ديسمبر
16
|
على غرار أشرطة الجنريك وترويسات المواقع الجميلة والبانرات الإشهارية على الوب، تعتبر التوقيعات الشخصية، الفلاشية والغرافيكية، واحدة من أهم حقول الإبداع الرقمي الشخصي الذي توجد وراءه تدابير الفنان المبدع العارف بعناصر عمله ونسقها التفاعلي. وفي هذا المجال، لفت انتباهي كثيرا انهمام فئات واسعة من أعضاء المنتديات بتصميم توقيعات وشعارات شخصية تٌرفقُ بمشاركاتهم، ينجزونها بصيغ فنية لا يمكن عزلها عن فنون الإبداع الرقمي القائمة على تداخل الخطاب اللغوي والعناصر الصوتية والبصرية ببصماتها وتأثيراتها البرمجية المتاحة.
اعتبارا لكثرة هذه التوقيعات وانتشارها الواسع وتبعثرها بين موضوعات المنتديات المليونية… وقع اختياري واقتصاري -مرحليا- على مجموعة من تسعين توقيعا فلاشيا (1) وردت في سياق تعقيبات المشاركين ضمن موضوع شعبي بمنتديات عكس الريح المتفرعة عن موقع الطبيب والشاعر السوداني د. معز عمر بخيت…
مناسبة إنجاز هذه التوقيعات هي إقدام أحد الأعضاء المميزين (اسمه المستعار Scorpion) على إطلاق ما أسماه حملة لتعميم التوقيعات. ويظهر أن منجِز التوقيعات شخص واحد، يبدو ذلك من تتبع الحوار الجامع بينه وبين طالبي التوقيعات، ويبدو أيضا من انتمائها المرجعي إلى نفس الجهاز الخادم (جيران.كوم)، ناهيك عن حضور ملامح شخصية ولمسات برمجية ثابتة تقريبا في تقنية إنجاز التوقيعات وإخراجها بالامتداد الفلاشي (swf): إلى جانب الجمع بين الكلمة والصوت والصورة والحركة،هناك غلبة ملحوظة للحركة على الكلمات بدل الصور، كما أن الصوت لا يُسمَع إلا أثناء مداعبة الصورة بمؤشر الفأرة…
وجب التذكير أيضا بأن مخرج هذه الفلاشات كان ينطلق من خامات قبلية يمده بها كل طالب للتوقيع: الاسم، الإيميل، الخطاب اللغوي المرفق، والصورة (في حالات معدودة)… ومن تتبع الحوار يظهر أن مخرج الفلاشات يتفاعل بحماس مع بعض المقترحات ويبدي استعدادا أكبر للإبداع إذا توافقت الخامات المقترحة عليه مع انتظاراته وقناعاته كفنان مبدع يتواصل باسم مستعار مع أسماء جلها مستعار!!
ثمة أكثر من حافز لتتبع هذه التوقيعات بالوصف والدراسة، منها:
- قوتها التعبيرية وثراؤها السيميولوجي، من حيث هي توقيع شخصي يفترض فيه أن يختزل هوية المشارك الشخصية، أي أن يميّزها عن التوقيعات الأخرى برموز وعبارات وصور وحركات وأصوات تخصّصه. والتمييز هنا يتم بالتركيز على ما ينبغي أن يكون لا على ما هو كائن، مما يمنح الهوية نفسها بعدها المتحول في الزمن والمنفلت من التحديد الستاتيكي لفائدة الصيرورة والتشكل الدائمين… إن مصدرالطاقة التعبيرية لهذه الفلاشات يتمثل في كونها واجهة تغتني بعناصر تواصلية مثل الإلحاح والتكرار والظهور في أماكن مختلفة من المنتدى (يمكن مقارنتها بواجهات المواقع الافتراضية والمباني الواقعية من حيث جذبها الدلالي ومخزونها الإيحائي وقدرتها على اختزال ما تدل عليه: إنها واجهة الشخص!).
- طابعها الجماعي والاجتماعي الذي يجعل منها ظاهرة قابلة للملاحظة والدراسة والوصف، وفهم آلياتها الإبلاغية والتواصلية، وعلاقتها بالذوق العام… ارتباطا بهذا السياق نلاحظ أن الإناث أكثر ميلا من الذكور إلى حمل توقيعات شخصية قوية وزاهية ومتميزة جدا (توجه طبيعي لدى المرأة)، توقيعاتهن توازي، في الواقع، الحجب المفروض على صورهن وأسمائهن الشخصية في الإنترنت العربية. إذا كان بعض الذكور يضعون صورهم الشخصية في التوقيعات فالإناث جميعهن يملن إلى حجب صورهن بصور غيرهن (ما الحدود التي تسمح لي كشخص أن أضع صورة شخص آخر شعارا لي!!؟ النجومية؟ المثل الأسمى، الملاك الافتراضي؟!… صور بين أخرى للاستعارات الافتراضية التي لا حدود لها؟).
- إن دراسة هذه التوقيعات من شأنها إبراز ما يجمع بين هذه التوقيعات وما يفرق، ناهيك عن إمكانية تصنيفها ضمن بؤر دلالية تجلي تصورات أصحابها حول التواصل الرقمي وحول جوانب أخرى كثيرة متصلة بحياتهم الواقعية والافتراضية. وفي ذلك فائدة في إيجاد مؤشرات تهمنا كثيرا في فهم وتحليل الظواهر الافتراضية بمختلف امتداداتها الإنسانية.
أميل إلى الاعتقاد بأن هذه التوقيعات تقدم للمتصفح خامات لغة جماعية قابلة لإضاءة آفاق جديدة للقصيدة الرقمية ولغتها الذاتية(2). إنها تجمع أهم عناصر هذا الجنس الأدبي الرقمي:
1- قوتها الإبلاغية الناجمة عن إتاحتها لقابلية التواصل السريع المتناغم مع زمن الوب عموما ومع مفهوم الشعر-الومضة الذي يبقى من أعرق وأحدث أشكال الشعر دائما… ويتصل بهذا أيضا كثافتها واقتصادها اللغويان.
2- تضمنها للمؤثرات الصوتية والبصرية والحركية التي لم تفلح قرون من الورق في تقييدها قبل ظهور سند الشاشة. وهي مؤثرات عابرة للهويات وناسفة لميتافيزيقا العزل والوحدة: يكفينا إنجاز تصنيف سريع للسماعيات المرفقة بهذه التوقيعات الفلاشية لكي ننتبه إلى تعددها وعبورها لجغرافيات مكانية وإيقاعية ولسانية متباعدة ومتناغمة، رغم أن غالبية الأعضاء ينتمون إلى منطقة جغرافية واحدة: السودان).
3- انفتاحها الطبيعي على اللغات المتداولة في محيطات أصحابها، حيث تحضر في الخطاب اللغوي والأغاني المرفقة اللغة العربية الفصحى، والعامية المحلية، والانجليزية… وأكثر من هذا: ثمة توظيف لبعض الأيقونات والمفردات والتراكيب اللغوية التي ولدت داخل المجتمعات الافتراضية نفسها (الميسنجر ،المنتديات، و…). هذا التداخل اللغوي واضح أنه سيستمر في إنتاج مفارقة هامة وجديرة بالتأمل: اتساع مساحة العاميات (نصا وصوتا) على حساب اللغات الكلاسيكية مقابل محو الحدود بين اللغات عبر إنتاج مزيد من البرامج التي تتولى الترجمة الفورية…
4- طاقتها العاطفية القوية، وانتصارها للحب (باختلاف مواضيع رغبته) كتصعيد وتسامٍ إبداعيين وإنسانيين موازيين للحروب وكوارثها التي لا تنفك تثير دفين الإحن والأحقاد… (للحرب كما للحب الحضورات الأقوى إنترنيتيا).
إن استفادة القصيدة الرقمية من هذه النماذج الإبداعية تعني أساسا خلق انزياح رقمي عنها، على غرار انزياح لغة القصيدة عن لغة الناس ونحو اللغة (هنا سيتم توسيع التضايف اللغوي وعناق الدوال اللغوية المختلفة كعهدها ببابل!).
لن نتوهم إمكانية تحقق هذا الانزياح بدون الانكباب على تحليل مختلف أشكال التعبيرات الرقمية الإبداعية المتداولة على شبكة الإنترنت. عمل كهذا من شأنه أن يوفر للمبدع الرقمي خامات/لغات جماعية جاهزة لاستخلاص الفريد، كما سيعينه على تقوية العملية التواصلية من خلال إدراك وسائل تصريف وتداول هذه الإبداعات، واستخدامها لاستقطاب المتصفحين.
الانزياح عن هذه التوقيعات (وعن الأشكال الرقمية الأخرى التي أشرنا إليها في مستهل المقال) يعني مخالفتها بتعميق التوقيع الشخصي وتخصيصه كخطاب فني حامل لدم صاحبه ولغاته لا لقيوده أو لتصورات الآخرين عنه.
أخيرا، إن كون هذه التوقيعات ثمرة ل حملة تعميم التوقيعات بمجتمع افتراضي (هو منتديات عكس الريح)، يمنح للأدباء، في مجتمعاتهم ومنتدياتهم الافتراضية، حافزا قويا لتعميم مثل هاته الحملات وتخصيصها أدبيا عبر إطلاق مبادرات في شكل مهرجانات-ملتقيات-مختبرات رقمية تمنح للأسواق الأدبية وملتقيات الأدب دفعة ما أحوجه إليها في حاله الراهن… علما أن هذه الأشكال الاحتفالية زهيدة التكاليف رغم نفعها العميم وطيها لكل الفواصل المكانية والزمانية التي حالت دون اللقاء المباشر بين الأديب ومتلقيه، طيلة العهود السابقة من تاريخ الكتابة والكتاب..
مع الرقمية، ينتهي الوضع الاعتباري القديم للأديب..
لا مجال اليوم لوادي عبقر وشياطين الأدب وخوارقه مادام الأديب و إبداعاته في تواصل مفتوح 24/24 مع كل الأيادي و العيون والآذان، ومعها كل وسائط التلقي التي يبرمجها الإنسان الرقمي.
-هامشان-
(1) من أجل تصفح أفضل للتوقيعات الفلاشية المختارة، وزعتها على ثلاث صفحات مستقلة، تضم كل صفحة منها ثلاثين توقيعا… يمكنكم مشاهدتها بعد النقر على روابطها التالية:
(2) هذه التوقيعات لا تعني المهتم بالإبداع الرقمي وحده، بل تهم أيضا وخصوصا كل المنخرطين في دراسة المجتمعات الافتراضية وبالأخص منهم الطامحين إلى تأسيس علوم إنسانية خاصة بالإنترنت.