|
ديسمبر
14
|

مازال أطفال الحومة يلعبون الكرة. إنه الهزيع الأول من ليلة السبت. الكاتب الناشئ جالس إلى مكتبه بعدما أشعل الشمع وأضاء أوراقه البيضاء التواقة إلى جمل لا ينتهي مَعينها.
” هؤلاء الأطفال لم يتلقوا تربية صالحة”. الجار بصوته الرزين يقول لهم:
- بركة.. إيوا بركة من الصداع!
تخف الجلبة قليلا. تبتعد الكرة إلى مكان آخر يمتص الضوضاء ولا يعدمه.. يبدأ الكاتب الناشئ في تمييز بعض الألحان المنبعثة عن الحاكي القديم. ليس له غير انتظار الصمت والهدوء اللذين لابد لهما أن يأتيا ليبدأ القص بالنص.. عقاربها تشير إلى الثامنة والنصف. لابد من إيقاف هذا الضجيج الصعب كي تستمع الكلمات إلى بعضها البعض.
الجار عاد إلى منزله (فوق غرفة الكاتب الناشئ) بائسا على ما يبدو.
أبي كان – في مثل هذه الحالات- لا يتورع عن الخروج من المنزل حاملا معه موسى، يخطف الكرة من الأطفال المهرولين، يقطعها إلى نصفين متوازيين، ويرميهما على تراب الدرب مثل شيء مذبوح تراقبه عيون الأطفال بحسرة تخشى الدموع، وبأنفسم غيظ كظيم.. يهدأ الدرب تماما ولا تند عن جماعة الأطفال أي نأمة احتجاج. كان أبي يعتقد أن الضجيج قيح هوائي محبوس بداخل الكرة البلاستيكية اللعينة.. لذلك يشطرها نصفين حتى يتأكد من اقتلاع الدملة من جذرها، أما عمي احميدو فكان يكتفي بإبرة يدخلها بكرة الأطفال خلسة حتى لا يحصد عداوتهم، لكنهم في مثل هذا الحال يلتجؤون للطراف “تشاكار” الذي يقوم بمهمة الإصلاح في الحين، وهو يحبهم لأن الله لم يرزقه أطفالا.. كان أجمل ما يثيرني في النصفين المشطورين من الكريات التي يقطعها أبي لمعانهما الشديد من الداخل وتآكلهما الشاحب من الخارج، مما عرّضني لتفكير صعب ويائس: هل يمكن أن نقلب الكرة، مثل الجوارب، بعد تآكلها من الخارج؟ .
أحيانا كنت لا أتفق مع أبي، وأتحسر مع الأطفال مثلي، رغم أنني إذا شاركتهم في اللعبة لا يتجاوز دوري مهمة حارس المرمى.
هو لا يميز بين أنواع الكرة وأثمانها وجودتها، كان مقتنعا بأنها كلها قيح يجلب الضجيج للأذن والغبار للدرب وكثيرا من سوء التفاهم بين الأولاد، أما البنات فقد كن مجبرات على الابتعاد والتنحي كلما مررن بشارع تجري به مقابلة حامية بين الأطفال، أما إذا سولت لإحداهن نفسها مشاركة الذكور في اللعبة فتلك “علامة من علامات الساعة”. ولأن أبي كان مقتنعا بنظرية “القيح الكروي” فقد كان يكتفي بذبح الكرة ببراعة، ولا يهمه بعد ذلك بكاء الأطفال الذي سينفعهم بدفعهم إلى التخلي عن هذه “اللعنة”.. . أبي لم يحب الكرة يوما ولم يدخل للملعب إلا مرة واحدة بمناسبة انطلاق الحافلات إلى الصحراء خلال مسيرة العام الخامس والسبعين، وكانت يوم ذاك مجتمعة بالملعب البلدي كي نقوم نحن الجمهور بتحية الراكبين على متنها.
الكاتب الناشئ مازال إلى مكتبه جالسا. الشمع رخو الإضاءة بظلال تتراقص كلما تسربت من فتحات النافذة نسيمات مارس المنعشة. الأطفال ما زالوا على أشد الضجيج، وها هو الجار يعود مرة ثانية بصوته التام:
- ياك قلنا لكم بركة.. يا الله بركة.. يا اللاهو راه ظلام الحال سيرو تنعسوا…
- هاد الجنس إيخافو ما يحشمو (صوت امرأة يبدو أنها عابرة بالدرب).
يخف الضجيج ولا يهدأ. المقص أصلح لتلك الكرة التي تصر على اللعب بالأطفال. ماذا يفعلون بالخارج بعد أذان العشاء؟ لابد أنهم تلقوا ضربا كثيرا ولم ينالوا من الحلوى والتوجيه إلا قليلا.. صوت شاب يعبر مغنيا طاغيا بصوته على كل الأصوات الأخرى: ” غير خذوني لله خذوني…”. تنزل المطرقة على رأس وأذني الكاتب الناشئ بدفعات عنيفة. تمضي في التناقص، ثم تختفي مع آخر انعطافة له باتجاه الدرب الآخر. أصوات الأطفال تحاكي باعة النهار المتجولين: ها بطاطا.. ها الليمون… ها السردين… ها الحسيمة… ها ليقامة…
الكاتب الناشئ يصاب بقشعريرة. يرى معهم ذاك الطفل الذي كانه أمام المنزل القديم: يصرخ.. يمرح.. يركض منشدا مع جماعته الحماسية:
آ الدبّانة
تطير في الشوارع
مبسوطة الكوارع
كأنها تطير
آالدبانة… يتكرر النشيد دوائر مرات ومرات قبل أذان المغرب، حيث يفرغ الدرب تماما وتختفي منه رائحة الأطفال. أحيانا لا يكاد يهدأ النشيد حتى يبدأ من جديد، إذ يكفي أن ينطلق صوت واحد منشدا الكلمة الأولى لكي تبدأ الدائرة المفتوحة للنشيد، وأي نشيد؟ نشيد الدبانة!
الكاتب الناشئ مغفل أو ضعيف الذاكرة. كان يظن أن الأطفال “يعملون” الضجيج. كان يتوهم أن أبي يذبح الكرة ضد أصوات الأطفال. لا. لقد كان يفضل الأناشيد، ورغم أنه لم يكن يفهمها تماما فقد كانت نغمتها تكفيه لتوجيه الشكر لهم إذا مر بهم عائدا من صلاة المغرب بالجامع:
- الله يعطيكم الرضا آولادي.. الله ينجّحكم إن شاء الله…
صوت الجار يصرخ بعنف هذه المرة. يزبد ويرغي:
- يا الله آولاد ال… الله يلعن دين اللي رباكم… تفو… الله يخليها سلعة… الله يخليها ترابي..
عقاربها تشير إلى التاسعة تماما. لم يعد بالدرب غير طفلين، صوتاهما أشبه بالهمس. كانت تقول له تحت نافذة الكاتب الناشئ:
- اسمع… اسمع… جارنا كيلعب الكيتار.
يحدث الهدوء. يشف السمع والشمع. الألحان تنبعث من الكيتار القديم. تسيل. تنبع. تصب. تمنح. تهب خطاطيف نارية لتملأ الغرفة بمقدمات النص المستحيل. باكو دي لوسيا… باكو دي لوسيا…