نهر حبي ضفتان لحلم واحد: في التجربة الغنائية للفنان الأمازيغي إيدير
ديسمبر 13

lutteurdeclasse

كان بيديه، حين تحركهما رجاته الدافعة الماردة، يحتل الفضاء المحيط به، يصفع المصيخين إليه الصامتين رغم أنوفهم. إنه يمتد جسمانيا معوضا ضآلة جسمه السنّوري القصير/النحيل كيعسوب خاوي الروح في انشراح… عارف بكل شيء، له دراية ممتازة بأصناف البيض وأجناس الأرانب وتسيير الفرق الرياضية وتحليل الكانطية الجديدة والمسلسلات المكسيكية، والذود عن اليوطوبيا العتيقة بأي وجه كان… لا تكفي ملامح الكيخوطي لرسم صورته في ذهنك، ذلك أنه حمال أوجه وجماع تأويلات… كل الناس بحاجة إلى معتقداته الرصينة طالما أنه لا يخطئ كما يفعل الآخرون الذين لا يكف عن تسفيههم ووصفهم بالمرضى وحكماء ما قبل الحواس الحيوانية، وهو يجزم أنه مالك الحقائق الكبرى ومبدع الأفكار العظمى وسدينها الشغوف بالحلم العلمي المؤسس على أرضية الواقع الملموس كالتراب والنهد والكتاب. إنه صاحب الصيغ الرائدة القمينة برفع الحجْر عن العقل وحماية الهواء من أدران الكلام والمفاهيم الكسولة بالأوباء التي تورثها الإقامة المديدة بين الناسوت واللاهوت. هو قادر على وأد الرداءة وطرحها على أرضية أشد صلابة من الثور (البديل الأنسب للثورة، فالتذكير -يقول- يجعل الثورة أصلب عودا).

بعد سقوط جدار الطوبى اختفى، لم يعد إلى المقهى يدخل لمجالسة أصدقائه القدامى ومسامرتهم بغرائب تخريجاته وبنات عقله المحجبات، بدون أي حرج؛ حسب في ظنه المنهك بالإثم أنه مطرود من خيمة أصدقائه الشفافة دائما. ما عدا تهويماتهم الوجودية، لم يعد لديهم ما يخفونه عن الآخرين. لكنه ما زال موقنا أن ثمة أشباحا مخيفة طردتهم، دون حق الرد والمرافعة، من إيمانهم الراسخ بالفراغ المؤجج والمنذور للتلاشي كما لا يخفى على بطة أو كلب أو هزار. كان أن عزلوه ليخلصوا ذواتهم من هواء ضمائرهم الحامضة باليقظة وقلة زاد النوم.

الإنصات إليه صادما كان ومفيدا، وأجمل منه متابعة النظر إلى حركاته وإيماءاته التي تغمر المقهى والكأس بلانهائية أخيلته وبلاغاته ومفاهيمه وتوصيفاته ورموزه ومشاريعه الكبرى/ الفاشلة حتما.

هو ضئيل الجسم قصيره بشكل لا يقنع المنصت إلى أفكاره، لا يصلح للخطبة والتمثيل والغناء مع أنه يدّعيها كلّها، يصلح وراء ميكروفون الراديو والطاولات المركونة بزوايا المقاهي ورقن الأوراق الموسوعاتية. بمجالات متباعدة الأطراف كالكون المحيط بنا يكتب. في البيئة. في الشراب النبقي. في الشأن المحلي. في الورد. في ضبط المفاهيم المستغلقة. في فيفي. في السبق الصحفي. في النسقية الفكرية. في الدوغماتيكوغوجيا… ضئيل الجسم، لكنه قاسح العقل متعدده، لم (ولن) يدرك أن المجهولة والمعلومة يقيم بينهما إنسان يدخل سوق رأسه للخروج المؤقت عن المشرقين والمغربين، عن الناس وصراعهم الوجودي أو الطبقي أو القبلي، عن الإيمان بنقصان الحقائق وتشقق جبهات المفاهيم الكبرى و شهداء الحياة الخالدين.

الكاتب: منعم الأزرق | التصنيف: على حافة السرد | المشاهدات: 36


أضف تعليقا